مقالات

البنوك الرقمية والتقليدية بين المنافسة والتكامل!

23-11-2023 | 00:16

البنوك الرقمية والتقليدية بين المنافسة والتكامل!

بقلم : محمد عبد العال

الخبير المصرفي

    في عصر الاقتصاد الرقمى أصبح العالم اليوم أكثر قربا وتأثرا وتفاعلا، بكل ما هو ذكي، ورغم  أن القطاع المصرفي العالمى بكل أسسه وهياكله يتسم بالتريث والتحفظ في أساليب تعاملاته التقليدية إلا أنه لم يبتعد ولم يتأخر بالتأثر بتلك الثورة في عالم الاقتصاد الرقمى، و على الرغم  من أن البنوك التقليدية حول العالم  كانت قد  بدأت رحلة  التحول الرقمى منذ عقود، إلا  أن التحديات وقيود الإغلاق  التى فرضتها جائحة كورونا دفعت  إلى بزوغ  طراز جديد من البنوك الرقمية الذكية، التى وجدت فى التطورات  الهائلة  فى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فرصة لمد جسورها نحو المستقبل، والاستفادة من خدمات التكنولوجيا الجديدة. وتطوير الخدمات المصرفية بما فى ذلك التحول إلى إنشاء البنوك الرقمية كنموذج حى لهذا  التطور التقنى الهائل فى عصرنا الراهن والمستقبل القريب، وكضرورة حتمية فُرضت على قطاع الصناعة المصرفية  لمواكبة تطور  احتياجات العملاء  من المنتجات والخدمات المصرفية  المتطورة، ولمواجهة المنافسة المتوقعة فى  عالم الاقتصاد الافتراضى.

البنوك الرقمية  بهذا المفهوم هي مؤسسات مالية تعمل عبر الإنترنت، وتقدم خدمات مصرفية بشكل رقمى أو إلكترونى عن بعد، أى  أن الأمر  لا يتطلب  أن يتوجه العميل بنفسه إلى فرع البنك على الأرض لكى ينفذ متطلبات البنك أو يُحقق  احتياجاته المصرفية، وإنما يتمم ذلك  بنفسه عبر المنصات الإلكترونية، من خلال شبكات الإنترنت، وأجهزة الهواتف  المحمولة  الذكية.

تحقق البنوك الرقمية الكثير من المزايا سواء للشركات  والمؤسسات صاحبة تلك البنوك، أو العملاء، فتسمح البنوك الرقمية للأفراد بالوصول إلى حساباتهم المصرفية، وإجراء المعاملات في أى  وقت، ومن أى مكان، بفضل توافرها عبر الإنترنت على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع. إن  الخدمات المصرفية الذكية التى  تقدمها البنوك الرقمية غيرت من ثقافة وأساليب وكيفية التعامل المصرفي، فبدلا من التوجه للبنك والتحدث مع موظفين حقيقيين، أصبح التعامل مع شاشات بمجرد اللمس، ويتم  اعتماد  المعاملات بالتوقيع الإلكترونى. كما تعتبر البنوك الرقمية عادة أقل كلفة من البنوك التقليدية، حيث إنها لا تحتاج إلى هيكل تكاليف مرتفع  أو  مقار ذات أجور أو أثمان عالية، وهو الأمر الذى يعكس في النهاية إمكانية تقديم خدمات ومنتجات بعوائد أفضل، أو تكاليف أقل، ومن ثم  يكون هناك مجال لتعظيم مؤشرات و هوامش الربحية لمساهمي البنك،  وتعزيز  المراكز التنافسية لتلك البنوك. كما تتميز  البنوك الرقمية بالقدرة على تنفيذ المعاملات بشكل فورى، وبسرعة أعلى من البنوك التقليدية. كما تتميز  بكونها مركزا للابتكار والتطوير  التقنى في صناعة وفنون الخدمات والمنتجات المصرفية، وعن طريق استخدام تطبيقات وآليات  للتشفير المتقدمة لحماية بيانات العملاء وتأمين المعاملات المالية عبر الإنترنت،  فإنها توفر قدرا كبيرا من الأمان والحماية المصرفية.

 ويمكننا القول إنه في عالم متغير ومتطور تكنولوجيا سوف يوجد تنافس بين البنوك الرقمية والبنوك التقليدية، وسيعتمد النجاح والربحية في هذه الصناعة على القدرة على تلبية احتياجات العملاء وتقديم تجربة مصرفية مريحة وموثوقة. ومن ثم يمكن لكل من البنوك الرقمية والبنوك التقليدية أن تحقق درجات ربحية عالية إذا نجحت في بناء قاعدة عملاء قوية وتقديم خدمات مصرفية مبتكرة وذات جودة عالية، ومع ذلك، يجب أن نلاحظ أن البنوك التقليدية لديها ميزات قوية أيضا، مثل القدرة على تقديم خدمات شاملة ومتنوعة، بما في ذلك إدارة الثروات، والقروض التجارية الكبيرة، والخدمات المصرفية للشركات، وغيرها. كما تتمتع البنوك التقليدية أيضا بقدرة أفضل على التعامل مع العملاء وتقديم الاستشارات المالية المتخصصة والدعم الشخصي.

هناك أيضا توجه نحو التعاون بين البنوك الرقمية والبنوك التقليدية، فبعض البنوك التقليدية قد تستحوذ على البنوك الرقمية، أو تشترك في شراكات معها للاستفادة من التكنولوجيا والابتكار الذي تقدمه البنوك الرقمية، وتستفيد البنوك الرقمية من البنية التحتية والاستدامة المالية للبنوك التقليدية.  يمكن القول إنه في ظل التحولات التكنولوجية وتغيرات سلوك العملاء، تتحدث صناعة الخدمات المصرفية بأكملها، البنوك الرقمية تشهد نموا وتحقق ربحية جيدة، في حين تعمل البنوك التقليدية على تطوير استراتيجياتها وتحسين خدماتها لمواكبة التطورات الحديثة. قد يكون هناك تعاون وتنافس بين النموذجين، والنجاح سوف يعتمد على قدرة كل منها فى  تلبية احتياجات العملاء وتقديم الخدمات المصرفية المناسبة.

مع ذلك، يجب أن نلاحظ أن البنوك التقليدية تلعب دورا مهما في القطاع المصرفي، وتحتفظ بقاعدة كبيرة من العملاء، وتمتلك خبرة وتاريخا طويلا في تقديم الخدمات المصرفية، وتعمل على تحسين خدماتها الرقمية وتطوير تطبيقات الجوال ومنصات الإنترنت للمنافسة مع البنوك الرقمية.

وفى ضوء هذا التقدم التكنولوجى العالمى، وتأثيره على مستقبل الصناعة المصرفية، قام البنك المركزى المصرى،  واستنادا على قانون البنوك رقم ١٩٢ لسنة ٢٠٢٠، بإصدار قواعد ترخيص وتسجيل البنوك الرقمية والرقابة والإشراف عليها، وهو ما يمثل خطوه مهمة نحو ضمان ملاحقة الصناعة المصرفية المصرية لأحدث التطورات العالمية.

 تضمنت اشتراطات الترخيص للبنوك الرقمية  فى القطاع المصرفى المصرى، ألا يقل رأس المال المصدر والمدفوع عن مليارى جنيه، فى حالة ممارسة كل أعمال البنوك، باستثناء تمويل الشركات الكبرى، مع إمكانية تمويل تلك الشركات شريطة زيادة رأس المال إلى 4 مليارات جنيه. وكذلك أن يكون المساهم الأكبر مؤسسة مالية ذات سابقة أعمال فى أنشطة مماثلة بنسبة لا تقل عن 30% من إجمالى قيمة رأس المال. ومن اشتراطات الحصول على الترخيص أيضا تقديم دارسة جدوى مفصلة تتضمن تحديد الشرائح المستهدفة والمنتجات المخطط إتاحتها، وكذلك خطط تكنولوجيا المعلومات، وخطط واستراتيجيات الأمن السيبرانى، علما بأن البنوك الرقمية تخضع لذات القواعد والضوابط الخاصة بالرقابة والإشراف المطبقة على البنوك العاملة بجمهورية مصر العربية، وذات القوانين والضوابط الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بالإضافة إلى بعض المتطلبات الأخرى بما يتسق مع طبيعة عملها.

 من المتوقع أن يستمر نمو البنوك الرقمية في مصر ويزداد الطلب عليها في المستقبل نظرا للتطور التكنولوجي المستمر، وتزايد استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، وسيكون الطلب عليها من قبل البنوك التقليدية القائمة التي ترغب في تطوير مجالات خدماتها، أو من الطلب من  مؤسسات أو من  شركات جديدة محلية أو من فروع بنوك رقمية أجنبية من الخارج.

 البنوك الرقمية  سوف تستمر وتشكل تحديا للبنوك التقليدية، وتتنافس معها في السوق المالي، ولكن النجاح المستقبلي سيكون للبنوك التي تستطيع التكيف مع التحول الرقمي وتلبية احتياجات العملاء بشكل فعال سواء كان ذلك عبر الخدمات الرقمية أو التقليدية أو بالتوازن بينهما.

التوقعات والتطورات المستقبلية ستلعب دورا حاسما في تحديد الفائزين في الأسواق المصرفية،  قد يشهد المستقبل تكاملا أعمق بين البنوك الرقمية والتقليدية، حيث تتعاون البنوك التقليدية مع الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية وتستثمر في التحول الرقمي لتعزيز خدماتها نحو تحسين  تجربة  ودرجة رضا العملاء.  أيضا من المؤكد  أن تشهد البنوك التقليدية تحسينا في مجالات مثل الأمان والتحقق من الهوية وحماية البيانات الشخصية، حيث تعتبر هذه الجوانب حاسمة للعملاء الراغبين في الحفاظ على سرية معلوماتهم المالية. بالمقابل، قد تستثمر البنوك الرقمية في توسيع نطاق خدماتها لتشمل المزيد من الخدمات المصرفية التقليدية مثل القروض والودائع وإدارة الثروات، وتوفير أدوات وتطبيقات تحليلية تساعدهم في اتخاذ قرارات مالية مستنيرة وإدارة أموالهم من بشكل أفضل.

من المهم ملاحظة أن الاختلافات الثقافية والتنظيمية والتكنولوجية في الأسواق المصرفية حول العالم قد يؤثر على نمط التنافس بين البنوك الرقمية والتقليدية في كل دولة وكل منطقة. قد تكون هناك اختلافات في سرعة التبني وتفضيلات العملاء والتشريعات المالية التي تؤثر على تنافسية البنوك.