حوارات وندوات

"كهرباء المستقبل كما نتمناها لأحفادنا"

12-12-2023 | 13:09

د.م. هانى محمود النقراشى عضو مجلس الاستشاري العلمي لرئيس الجمهورية

 "كهرباء المستقبل كما نتمناها لأحفادنا"

 

 

أصبحت الطاقة عنصرا مهما لحياة الأمم بجانب الماء والهواء، حيث أصبحت المجتمعات التى تملك الطاقة تقدم الرغد لشعوبها، حيث إن الطاقة لا تعنى وجود الوقود فقط بل التكنولوجيا التى تيسر الحصول عليها، لذا فهى عنصر أساسى لنجاح الصناعات وانتشار الزراعات ووصول المياه النظيفة للبشر، حتى أطلق عليها قاطرة التنمية الشاملة بشقيها الاقتصادى والاجتماعى، لكن الإفراط فى استخدام أشكال الوقود جعلها المسبب الرئيسى لتلوث البيئة وارتفاع حرارة الكرة الأرضية وتفشى ظاهرة تغير المناخ، ما أوجب التوسع فى تقنيات وتكنولوجيات الطاقات الجديدة والمتجددة بهدف توسيع انتشارها وتقليل تكاليف إنتاجها ونشر الحصول عليها لكل المجتمعات دون إهدار لمكونات البيئة.

فى هذا السياق عقدت مجلة الأهرام الاقتصادى ندوتها الأسبوعية بمنتدى بطرس غالى التى استضافت فيها العالم الكبير الدكتور هانى النقراشى خبير الطاقة العالمى عضو المجلس الاستشارى العلمى لرئيس الجمهورية، لمناقشة فرص الطاقات الجديدة والمتجددة فى مصر للتوسع فيها لإنتاج الكهرباء وذلك تحت عنوان "كهرباء المستقبل كما نتمناها لأحفادنا: ميسورة - نظيفة - مأمونة - مضمونة - مستدامة".

وقد افتتح الندوة شريف عبد الباقى رئيس تحرير الأهرام الاقتصادى، مؤكدا أنها تأتى فى إطار مناقشة المشروعات القومية التى تحقق الاستدامة وتمت مناقشتها فى مؤتمر المناخ كوب 27 الذى عقد فى نوفمبر الماضى بشرم الشيخ، باعتبار أن مصر قدمت للعالم من خلاله حوارا عالميا ومجتمعيا يهدف إلى تحقيق التكيف مع تأثيرات التغير المناخى والتخفيف من تلك الآثار، وتعد هذه الندوة ضمن سلسلة ندوات تركز على تقييم ومتابعة لأحداث الكوب باعتبار أن المناخ كلنا شركاء فيه.

واستعرض الدكتور هانى النقراشى المقصود بمصطلحات عنوان محاضرته أن تكون الكهرباء ميسورة ومأمونة بمعنى أن تكون متاحة للفرد ويمكنه تحمل نفقاتها بشكل آمن بعيدا عن المخاطر ولا تسبب تلوث للبيئة والمياه، ومضمونة بمعنى عدم انقطاعها لتلبية الاحتياج إليها فى كل وقت، ومستدامة بمعنى استمراريتها فى الوفاء بالالتزامات الكهربية للأجيال الحالية والمستقبلة، لذلك وجد أن أفضل مصدر للحصول على الكهرباء وفق تلك الشروط كانت الطاقة الجديدة والمتجددة بأشكالها، فالرياح والشمس هما المحققان لنجاح الحصول على كهرباء وفق ضمان الاستدامة، ومصر نجحت فى الاعتماد على تلك المصادر للحصول على كهرباء حيث تعطى محطات طاقة الرياح 100 ميجاوات وهو ما يعادل 40 % من إنتاج الكهرباء من الطاقات النظيفة، فى حين كانت محطات الخلايا الضوئية تغطى ما يمثل 20 %، حيث إنها تعمل فى توقيت سطوع الشمس وتكون ذروتها فى الظهيرة وتقل مع الغروب، وتعد محطات الخلايا الضوئية رخيصة وسهلة التركيب وقليلة الصيانة لكن عيوبها أنه مع زيادة درجات حرارة الجو تقل كفاءتها ويقل الناتج الكهربى لأن الخلية عند تحويل الضوء لكهرباء تعمل وتزداد سخونتها وبالتالى تزداد سخونتها مع الهواء الساخن فى الجو حتى تصل درجة الحرارة داخل الخلية إلى نحو 70 درجة مئوية بما يتبعه انخفاض فى قدرتها على الإنتاج بنسبة قدرت بنحو 1 % كل عام.

وأضاف الدكتور النقراشى أنه يمكن القول إن الطاقات المتجددة قسمان، الأول متقطع مثل طاقة الرياح وطاقة الأمواج وطاقة الخلايا الضوئية من الشمس، وهى تتصف بأنه لا يمكن التحكم فيها ولا تخضع لقواعد الطلب عليها بل تعطى الكهرباء حسب ظروفها الطبيعية، لذلك فهى تحتاج لمحطات تقليدية تعمل بجوارها لسد فجوة العجز عن الوفاء بالطلب، لذلك تخزين الطاقة هو الضمان لاستمرارية الإمداد، وفى مصر الأفضل الاعتماد على البطاريات لكن تكون لها سعة محدودة، حيث هناك أشكال للتخزين مثل التخزين قصير الأمد بهدف عبور فترة الليل أو للتخزين طويل الأمد ويكون للطوارئ المناخية مثل فترة رياح الخماسين أو ظهور السحب، أما القسم الثانى من الطاقات المتجددة فهى محطات الطاقة الشمسية الحرارية أو المركزة وهى تأخذ أربعة أشكال مثل البرج الشمسى والذى يمكنه إعطاء قدرة كهربية ما بين 5 و1000 ميجاوات، ويمكنه التخزين الحرارى لفترة تصل إلى 16 ساعة ويتحمل درجات الحرارة العالية حتى 600 درجة مئوية، أيضا القطع المكافئ وهو مكون من مرايات مقسمة إلى شرائح كل شريحة تتحرك مع اتجاه الشمس لتصبح متمركزة مع البؤرة، وهذا النوع يمكنه تخزين الطاقة الكهربية لفترات تصل إلى 8 ساعات ويعطى قدرة كهربية لنحو 6000 ميجاوات، وفى المغرب أيضا لديهم محطات من هذا النوع بهدف التخزين لفترة 4 ساعات ومحطة أخرى بهدف التخزين 7 ساعات من أجل تخطى ساعات الذروة وهى تمثل لهم ساعة قبل غروب الشمس وساعة بعد الغروب لكنها لم تكن اقتصادية لأن المحطة تبرد طوال الليل وبالتالى تحتاج للتسخين فى اليوم التالى.

التجربة الغربية

ويوضح النقراشى أن محطات الطاقات المتجددة متعددة الأشكال وتختلف من دولة لأخرى، ففى الدول الأوروبية تتشارك فى شبكة كهربائية تعتمد على أنواع مختلفة من المصادر المنتجة للكهرباء منها الأحفورية والنووية وأيضا المتجددة، ففى دولة ألمانيا تعتمد على بعض محطات الرياح البحرية لكنها تواجه مشكلات وصعوبة فى صيانتها، لأنها تكون فى عرض البحر وشدة التيار والعواصف خاصة فى الشتاء بما يجعل صيانتها محاطة بالمخاطر، وفى ألمانيا يزداد الطلب على الاستهلاك الكهربى، لذلك فهم يعتمدون على تقنيات التخزين فى الملح المنصهر، لأن البطارية الحرارية تعمل لتخزين الطاقة الحرارية فى درجة تصل إلى 565 درجة مئوية، وهى تقنية تتم من خلال المبادل الحرارى الذى يحصل على الحرارة من الملح، وهذا النوع من البطاريات يمكنه تشغيل محطة الكهرباء لفترة تصل إلى 15 ساعة بعد غروب الشمس، كذلك أيضا تقنية الضغط العالى، حيث يتم تشغيل التوربينة وهى تقنية معروفة فى كل المحطات التى بها مدخنة، لكن فى ألمانيا لا توجد مدخنة، حيث يمر البخار وسط ريش التوربينة ويتجه البخار من صف إلى صف من الريش وهى نفس فكرة المحطة التقليدية الأحفورية لكن الفرق بينها وبين المحطة الشمسية أنه بدلا من استخدام نظام تسخين الشعلة يتم التسخين بحرارة الشمس وقت سطوع الشمس وعند الغروب تستخدم نظام تسخين الشعلة، فهى محطة مهجنة وتتصف بالمرونة لضمان منع وقف الكهرباء.

ويشير النقراشى إلى أن محطات الطاقة الشمسية فى ألمانيا متعددة لتقنيات التخزين، حيث تعمل أيضا بتقنية تركيز الإشعاع الشمسى والذى يرفع درجة الحرارة لأكثر من 3 أضعافها باستخدام البؤرة لتسخين السائل الذى يتم تخزينه لحين احتياجنا له لإنتاج الكهرباء، حيث يمر من المبادل الحرارى ثم تشغيل التوربين وصولا للملح، لكن من المشكلات التى قد تواجه المحطات أن تمر سحابة تمنع الإشعاع الشمسى خاصة إذا طالت الفترة ويبرد المبادل والتوربين حينئذ تتوقف المحطة، لذلك يعتمدون أيضا على الوقود الأحفورى لمواجهة الطوارئ سواء بالاعتماد على الغاز الطبيعى أو النباتى، وبالنسبة للمحطات التى تكون على ساحل البحر يتم استبدال المكثف بوحدة لتحلية مياه البحر لأن الهواء الموجود بالمكثف يكون عند درجة حرارة 45 درجة مئوية، لهذا لا يمكن الاستفادة من الهواء عند مستوى تلك الدرجة الحرارية، لذا لابد من رفعها إلى 80 درجة مئوية، ولذلك أضيفت تقنية التقطير المتوالى وتسخين مياه البحر المحلاة من المكثف، وهكذا يتم تكرارها لما يقرب من 13 مرحلة، حينئذ تخرج مياه مقطرة تقدر بنحو 35 ألف متر مكعب يوميا، أيضا تقنية مزيج الأملاح المنصهرة يتم تسخينه وذلك بالنسبة لمحطات الرياح والخلايا الضوئية، وهى تقنية يتم فيها خلط نترات الصوديوم بنسبة 60 % مع نترات البوتاسيوم بنسبة 40 % من أجل الوصول إلى مستوى 223 درجة مئوية عند انصهار هذا المزيج، وهو يتحلل عند 600 درجة مئوية ويتبخر، وهو خليط يتميز بأنه ضعف وزن الماء وهذا جعل ألمانيا تتغلب على فترات الهدوء المظلم لتخزين الطاقة الحرارية من الطاقات المتجددة لإنتاج كهرباء وقت الاحتياج لها ووقت عدم توافر تلك الطاقات.

ويواصل النقراشى استعراض بعض التكنولوجيات الأوروبية لإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، حيث يقدم نموذج محطة شمسية فى إسبانيا قدرتها 20 ميجاوات وبها تخزين حرارى لنحو 15 ساعة وتم إنشاؤها عام 2011 وهى تعتمد على 35 مرايا فى مصفوفات متراصة تصل مساحة المراية الواحدة إلى متر ونصف والمرايا كلها تأخذ حيز نحو 120 مترا مربعا ومزودة بموتور رأسى وآخر أفقى آخذ فى الاعتبار وجود فروق بينية بين المرايات وبعضها البعض تحسبا لتمددها عند التسخين حتى لا تلتصق ببعضها، وهى تتميز بأنها تتحمل الأمطار، كما أنها أفقية، حيث يمكن للعمال السير من خلال آلة لإتمام عمليات صيانتها، وفى أستراليا تم إنشاء 5 محطات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية باستخدام الخلايا الضوئية بقدرة 5 ميجاوات لكل محطة، لكن مع ارتفاع درجة حرارة الجو وسخونة الخلايا الضوئية نهارا مع فترات سطوع الشمس ارتفعت حرارة الخلايا الضوئية، ما أدى لانخفاض قدرتها على إنتاج الكهرباء لنحو 50 %، أيضا انخفاض درجة حرارة الجو إلى 25 درجة مئوية سبب حدوث انخفاض فى إنتاجية المحطة بنسبة قدرت بنحو 1 % لكل سنة تتقادم فيها المحطة، هذا فضلا عن انخفاض إنتاجها عند مرور السحب، حيث يحدث انقطاع مفاجئ وكلها مشكلات يسعى البحث العلمى لإيجاد حلول لها خاصة مع الخلايا الضوئية.

فرص مصر فى الطاقة

قدم الدكتور النقراشى عرضا لفرص مصر فى النجاح للانتقال للطاقات الجديدة والمتجددة، حيث أوضح أن استهلاك الكهرباء يتزايد فى مصر بنسب تصل إلى 6 % سنويا ويتوقع أن تقل إلى 3 % مع زيادة الوعى واتباع سياسات الترشيد فى الاستهلاك حتى عام 2050.

وفى مصر الشمس موجودة ويمكن إنتاج الكهرباء وتخزين الطاقة الحرارية فى المكان نفسه، خاصة أن الشمس فى كل مكان وتتميز مصر بأن مرور السحابة لا يطول بل تعود الشمس لسطوعها، وأحيانا تتعرض مصر فى أيام الربيع لرياح الخماسين بما يجعل الشمس لا يمكن تحويلها لحرارة، وهنا يمكن الاعتماد على تقنية الشعلة وشحن البطارية، حيث يمكن استخدام غاز الميثان بحيث يمكن تخطى ساعات الليل لفترة تصل إلى 14 ساعة لكن أيام الغيوم أو التراب يمكن أن تستمر ما بين يومين وأربعة أيام، هنا يمكن الاعتماد على الوقود الأحفورى، لذلك المحطة الشمسية فى مصر لنجاحها شرط أن يكون السطوع الشمسى 355 يوما فى السنة، ومصر لديها ميزة جغرافية ديموجرافية، حيث يتركز السكان حول ضفتى نهر النيل بأنشطتهم والمصانع وفى الوقت ذاته تمتد الصحارى على جانبى النهر بما يتيح إقامة المحطات، خاصة أن جو مصر صحو والشمس ساطعة طوال العام، لذلك فى مصر يمكنها أن يكون لديها كل محطات إنتاج الكهرباء غير أحفورية، وأن تكون محطات الرياح فى حدود 15 % بحلول عام 2030 وذلك من خلال عدة سيناريوهات مثل إنشاء 5 محطات فى مناطق قناة السويس وخليجها، وأيضا يمكن إنشاء محطات فى مناطق مرسى مطروح والمنطقة الغربية، والأفضل اختيار التقنيات المناسبة وأحسن استفادة هى إنشاء عدد كبير من المحطات الصغيرة بما يساعد فى انتشارها وتلبية احتياجات الطلب على الكهرباء فى كل المناطق.

خميسة أفضل سيناريو

وكشف الدكتور النقراشى عن أن السبيل لإمكانية خفض تكلفة إنشاء محطات الطاقة الشمسية فى مصر بتجربة الانتشار، بمعنى كلما زاد عدد المحطات الصغيرة أمكن خفض التكلفة، حيث يمكن إنشاء المحطات الثلاث الأولى، ويمكن من عائد إنتاجها أن يتم إنشاء المحطة الرابعة والخامسة حيث الوفر يتحقق من جراء وفرة البنية التحتية، وهذا من دوره أن يخفض أسعار الطاقة ويمكن أن يكون هجين من محطات الطاقة الشمسية الضوئية والحرارية، وحاليا تتكلف المحطة الشمسية ما يقرب من مليار دولار، وفى مصر فرصة واسعة للقطاع الخاص لإنشاء تلك المحطات فى الأماكن البعيدة.