اقتصاد دولي

الاقتصاد الصينى.. نمو بنكهة التباطؤ .. تجدد المخاوف العالمية من اشتعال الحرب التجارية مع الولايات المتحدة

31-5-2023 | 15:12

إعداد: شريفة عبد الرحيم بعد ثلاث سنوات من مكافحة الوباء وسياسة الإغلاق و"زيرو كوفيد"، جاء انفتاح الاقتصاد الصينى ليثير موجة من الإنفاق الاستهلاكى، لكن مؤشرات انخفاض الطلب العالمى ومخاوف بخصوص تداعيات التوترات السياسية مع الولايات المتحدة، تلقى بظلالها على ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، ما يعزز مخاوف الأسواق هذه الأيام، إزاء حالة عدم اليقين العالمى. بلغ صافى مشتريات الأجانب من الأسهم الصينية، المقيدة فى بورصتى شنغهاى وشنزن نحو 20 مليار دولار، خلال شهر يناير الماضى، لكن خلال الأشهر الثلاثة التالية، لم تزد سوى 6 مليارات دولار فقط، بما يعكس تراجع اهتمام المستثمرين بالأصول الصينية، بعدما بلغت استثماراتهم العام الماضى مستوى قياسيا، والسبب فى رأى المحللين والخبراء، تزايد التوترات السياسية بين الصين والولايات المتحدة. ويأتى ذلك وسط شكوك حول قدرة الصين على الاحتفاظ بنموها الاقتصادى، بعد تعافى النمو خلال الربع الأول من العام الجارى، بارتفاع إجمالى الناتج المحلى بنسبة 4.5 %، مقارنة بـ3 % فى 2022. وتسيطر هذه الأيام على الأسواق العالمية، مخاوف إزاء النمو فى ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، فارتفاع معدل نمو الاقتصاد الصينى بواقع 1 %، يزيد النمو فى دول أخرى بنحو 0.3 % -وفقا لإحصاءات صندوق النقد الدولى. غير أن تعافى الاقتصاد الصينى، بعد أزمة الوباء، يكشف عن مؤشرات لعدم التوازن، ففى حين أن العطلات -مثل عطلة العام الجديد- تنعش السياحة الداخلية والإنفاق الاستهلاكى، فإن النشاط الصناعى يسجل انكماشا، حيث تأثرت المصانع الصينية بضعف الطلب العالمى. فعلى غير المتوقع، انخفض مؤشر "كاياكسين" لمديرى المشتريات الصينى إلى 49.5 فى إبريل، مقارنة بـ50 فى مارس، بما يعكس انكماش الإنتاج الصناعى لأول مرة منذ شهر يناير الماضى، حسبما أفاد "كاياكسين ميديا" و"ستاند أند بورز جلوبال". لكن مع انخفاض طلبيات التصدير الجديدة والتوظيف الصناعى، يبدى المحللون مخاوفهم إزاء فقدان الاقتصاد الصينى لمقومات زخمه. فى الوقت نفسه، البيانات الاقتصادية تزيد الضغوط على الحكومة لتقديم المزيد من الدعم لقطاع الأعمال، وبحسب كبار المسئولين فان الطلب المحلى مازال غير كافيا. ملوثات مناخ الاستثمار الصينى: وسط المخاوف المتنامية بخصوص نمو ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، تواصل الأسهم الصينية هبوطها، وما يزيد من حالة هروب المستثمرين، تهديدات الولايات المتحدة بفرض قيود جديدة على الاستثمارات الأمريكية فى الصين. ويشير محللون إلى تداعيات تلك المخاوف، من انخفاض مؤشر شنغهاى شنزن "سى إس أى 300" القياسى 0.8 % مؤخرا ليصل مجمل انخفاضه إلى أكثر من 5 %. وكذلك كان انخفاض مؤشر هانج سنج، وهو مؤشر سوق الأسهم لأكبر 50 شركة مدرجة فى هونج كونج 1.9 %، ومؤشر هانج سنج تكنولوجى 3.6 %. وكان مؤشر "سى إس أى 300" القياسى انخفض إلى أقل مستوى فى شهر أكتوبر الماضى عندما تبين مدى تأثير قيود سياسة "زيرو كوفيد" على الاقتصاد الصينى، لكنه بعد ذلك واصل صعوده ليرتفع 20 % بحلول نهاية شهر يناير، ومنذ ذلك الحين انخفض أكثر. الجدير بالذكر أنه بمجرد الإعلان فى مارس عن بيانات اقتصادية -أفضل من توقعات سابقة- لإجمالى الناتج المحلى، وارتفاع الصادرات 14.8 % عن الفترة نفسها من العام الماضى، بدأت مؤشرات الأسهم فى التراجع. وكانت توقعات المحللين انكماش بنسبة 7 %. ويوضح أحد مديرى صناديق الاستثمار فى هونج كونج، أن الأسواق لا تثق بصحة البيانات الاقتصادية الصادرة عن الحكومة الصينية، ولذلك تجاهلت تلك البيانات وواصلت تراجعها. التهديدات الأمريكية: فى الوقت نفسه، التهديدات بفرض قيود على الاستثمارات الأمريكية فى قطاعات مهمة من الاقتصاد الصينى -وتشمل الذكاء الاصطناعى، الحوسبة الكمومية وشركات أشباه الموصلات- أثرت أيضا على مناخ الاستثمار. ويعتزم الرئيس الأمريكى جو بايدن الحد من تلك الاستثمارات، فى خطوة سوف تزيد الضغوط على الاقتصاد الصينى وتؤثر سلبا على الاقتصاد العالمى. فمن المعروف أن التوترات بين أكبر اقتصادين فى العالم مستمرة ومتنامية منذ سنوات، لكن العلاقات الأمريكية الصينية ساءت كثيرا فى الأشهر الأخيرة، حتى إن جنرالا فى القوات البحرية قال فى يناير الماضى، إنه يتوقع نشوب حرب بين البلدين فى 2025، وفى الشهر التالى، تم اكتشاف بالون التجسس الصينى فى الولايات المتحدة. وفى مؤشر على تأثر الاستثمارات الأمريكية فى الصين بالتوترات السياسية، زاد الإقبال على صناديق الاستثمار فى الأسواق الناشئة التى تستثنى الصين. الجدير بالذكر هنا أيضا، أن المستثمرين باتوا أكثر تحوطا بعد الخسائر التى تكبدوها فى الأصول الروسية، وذلك بعد غزو أوكرانيا وتعرض روسيا للعقوبات الأمريكية والدولية، حتى إن بعضا من تلك الاستثمارات باتت قيمتها الدفترية "صفر". التعافى الهش: يرى الخبراء أن تعافى الاقتصاد الصينى خلال الربع الأول من العام الجارى كان بفضل زيادة الإنفاق المحلى ولاسيما فى قطاع الخدمات، فمنذ عطلة العام الصينى الجديد الذى بدأ فى 21 يناير، زادت إشغالات الفنادق وحجوزات الطيران. وتأتى تلك الزيادة بعد فترة الإغلاق الاقتصادى، حيث ارتفعت ودائع قطاع الأسر إلى مستوى قياسى فى عام 2022 بواقع 17.9 تريليون يوان، أو 2.589 تريليون دولار، وفقا لبنك الشعب الصينى -البنك المركزى. وبحسب أحدث مسح للبنك المركزى الصينى، فإن 60 % من الصينيين يفضلون زيادة مدخراتهم، بينما يفضل 16 % فقط استثمار أموالهم. ويعكس زيادة معدل الادخار فى العام الماضى، انخفاض الإنفاق الاستثمارى من قبل الطبقة المتوسطة والغنية، وذلك فى ظل تباطؤ القطاع العقارى فى البلاد. ويرى محللون أن إعادة فتح الاقتصاد، لن يشجع الصينيين على سحب مدخراتهم وزيادة إنفاقهم الاستهلاكى، وأن الزيادة فى الإنفاق على الخدمات ونمو مبيعات السيارات والأجهزة المنزلية، أمر غير مستدام . ويعد القطاع العقارى محركا رئيسيا للنمو الاقتصادى، والطلب على المعادن والسلع الرئيسية، ولكن مع تباطؤ القطاع العقارى انخفض الطلب على الصلب 5.8 % فى الربع الأول من 2023، بعد هبوط 12 % فى 2022، وذلك وفقا لوكالة "ستاندرد أند بورز". من المتوقع أيضا، استمرار تراجع القطاع على المدى الطويل، فبعد ازدهار استمر 20 عاما فى القطاع العقارى، أصبح معدل نمو السكان بالسالب لأول مرة منذ 61 عاما. ومن المتوقع استمراره كذلك لعشرات السنين، وإن كان التراجع سيكون بطيئا وتدريجيا حتى عام 2035 على الأقل، ما سيعزز انخفاض الطلب العقارى على المدى الطويل.